أبي منصور الماتريدي

431

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قيل : هموا بقتل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والمكر به ، فلم ينالوا ما هموا به « 1 » . وفيه دلالة إثبات الرسالة ؛ لأنهم أسروا ما هموا به ، ثم أخبر عن ذلك وهو غيب ، دل أنه بالله علم ذلك . وقوله : وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ . قال بعض أهل التأويل : إن الرجل الذي قال ذلك تاب عن ذلك ، فقبل منه ذلك ، وكان له قتيل في الإسلام فوداه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فأعطاه ديته ، فاستغنى بذلك « 2 » . وقال ابن عباس : وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ : كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يعطي المنافقين من الغنائم والصدقات ، يقول : ما نقموا ما أعطاهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من الغنيمة والصدقة . وقوله : نَقَمُوا ، قال بعض أهل الأدب - أبو معاذ وغيره - : نقموا ، أي : طعنوا ، فيه لغتان : نقموا - بالخفض - ونقموا - بالنصب - يقال : نقم ينقم ، ونقم ينقم - بكسر القاف - فهو - والله أعلم - يقول : ما طعنوا [ مني ] رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وما ذكروه بسوء إلا أن أغناهم الله ؛ لأنهم لو كانوا أهل فقر وحاجة ما اجترءوا على الطعن على رسول الله وما ذكروه بسوء ، ولكن طعنوا فيه لما أغناهم الله . ويحتمل قوله : وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ : ما عاملهم رسول الله معاملة الكرام وتبسط إليهم حتى قالوا : إنه أذن يقبل العذر ، فذلك الذي حملهم على الطعن . وقوله : فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ فيه أن المنافق تقبل منه التوبة . وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ بما ذكرنا في الدنيا : الأمر بالجهاد والقتل والخوف ، هذا التعذيب في الدنيا ، والتعذيب في الآخرة . وقوله : وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ قد ذكرنا هذا في غير موضع . قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 75 إلى 78 ] وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 )

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 6 / 423 ) ( 16993 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 465 ) وعزاه لابن أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 16994 ) عن هشام بن عروة عن أبيه وعن عكرمة ( 16995 ) ، ( 16997 ) وعن قتادة ( 16996 ) بنحوه وانظر الدر المنثور للسيوطي ( 3 / 466 ) .